عبد الله بن أحمد النسفي
82
مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )
39 / 21 - 22 رفيعة وفوقها منازل أرفع منها يعني للكفار ظلل من النار وللمتقين غرف مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أي من تحت منازلها وَعْدَ اللَّهِ لا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعادَ وعد اللّه مصدر مؤكد ، لأنّ قوله لهم غرف في معنى وعدهم اللّه ذلك . 21 - أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً يعني المطر ، وقيل كلّ ماء في الأرض فهو من السماء ينزل منها إلى الصخرة « 1 » ثم يقسمه اللّه فَسَلَكَهُ فأدخله يَنابِيعَ فِي الْأَرْضِ عيونا ومسالك ومجاري كالعروق في الأجساد ، وينابيع نصب على الحال أو على الظرف ، وفي الأرض صفة لينابيع ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ بالماء زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوانُهُ هيئاته من خضرة وحمرة وصفرة وبياض ، أو أصنافه من برّ وشعير وسمسم وغير ذلك ثُمَّ يَهِيجُ يجفّ فَتَراهُ مُصْفَرًّا بعد نضارته وحسنه ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطاماً فتاتا متكسّرا ، فالحطام ما تفتّت وتكسّر من النبت وغيره إِنَّ فِي ذلِكَ في إنزال الماء وإخراج الزرع لَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ لتذكيرا وتنبيها على أنه لا بدّ من صانع حكيم ، وأنّ ذلك كائن عن تقدير وتدبير لا عن إهمال وتعطيل . 22 - أَ فَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ أي وسّع صدره لِلْإِسْلامِ فاهتدى ، وسئل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن الشرح فقال : ( إذا دخل النور القلب انشرح وانفسح ) فقيل : فهل لذلك من علامة ؟ قال : ( نعم الإنابة إلى دار الخلود والتجافي عن دار الغرور والاستعداد للموت قبل نزول الموت ) « 2 » فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ بيان وبصيرة ، والمعنى أفمن شرح اللّه صدره فاهتدى كمن طبع على قلبه فقسا قلبه فحذف لأنّ قوله فَوَيْلٌ لِلْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ يدلّ عليه مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أي من ترك ذكر اللّه ، أو من أجل ذكر اللّه ، أي إذا ذكر اللّه عندهم ، أو آياته ازدادت قلوبهم قساوة كقوله : فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ « 3 » أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ غواية ظاهرة .
--> ( 1 ) الصخرة : اليابسة . ( 2 ) رواه الثعلبي والحاكم ، والبيهقي في الشعب من حديث ابن مسعود وفي سنده كلام . ( 3 ) التوبة ، 9 / 125 .